كلمة فخامة السيد فائز السراج الموجهة إلى مجلس الأمن ويلقيها نيابةً عنه السفير المهدي المجربي

كلمة

فخامة
السيد فائز مصطفى السراج
رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني

الموجهة إلى مجلس الأمن

ويلقيها نيابةً عنه

السفير المهدي صالح المجربي

السيد الرئيس،

يسرني في البداية أن أهنئكم على رئاستكم لمجلس الأمن خلال هذا الشهر، وأشكركم على تنظيمكم لهذه الجلسة تحت بند صون السلم والأمن الدوليين حول موضوع الإتجار بالأشخاص في حالات الصراع وأيضاً الشكر موصول لكل من السيد فيليبي جراندي المفوض السامي لشؤون اللاجئين والسيد وليم أسونج المدير العام للمنظمة العالمية للهجرة على إحاطتهما، كما أشكركم على إتاحة الفرصة لي للحديث أمام مجلسكم الموقر.

السيد الرئيس،

لقد تابعت بقلق بالغ ما تناقلته بعض التقارير الإعلامية التي تُظهر – إن ثبتت صحتها – قيام بعض الأشخاص بالاتجار في بعض المهاجرين غير الشرعيين من ذوي الأصول الإفريقية لتحقيق عوائد مادية، بغض النظر عن صحة هذه التقارير من عدمها فإننا ندين هذه الأفعال بأقصى عبارات الإدانة والاستنكار أياً كانت جنسيات مرتكبيها ليبيين أو غير ليبيين، وفي أي مكان ارتكبت في الداخل أو في الخارج، فهي تتنافى مع قيمنا وديننا وقوانيننا الوطنية ومع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان ولا يمكن التغاضي عنها إطلاقاً، وقد أصدرت تعليماتي للجهات الأمنية المختصة بالتحقق من صحة الشريط من عدمه وإذا ما ثبتت صحته ستتكفل الجهات المختصة بملاحقة المجرمين وتقديمهم للعدالة في أسرع وقت ممكن. كما نؤكد على أن أي تجاوزات أو إساءة معاملة للمهاجرين غير الشرعيين هي أعمال فردية منعزلة وليست ممنهجة إطلاقاً، وتؤكد حكومة الوفاق الوطني على أن مرتكبيها لن يفلتوا من العقاب، كما نطلب من أي جهة داخلية أو خارجية تملك المعلومات عن مثل هذه الجرائم مساعدتنا بتقديمها لمكتب النائب العام الذي باشر التحقيق في الموضوع.

السيد الرئيس،

يجدر بنا التأكيد على أن القوانين الليبية المتعلقة بالهجرة غير الشرعية تجرم الاتجار بالبشر وتشدد على المعاملة الإنسانية للمهاجرين غير الشرعيين، كما تحرم وتجرم ظاهرة الرق والاسترقاق والعبودية منذ استقلال ليبيا بمراسيم ملكية ووفقاً لأحكام قانون العقوبات وهي ملتزمة بذلك. كما أن هذه الأفعال تتنافى مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة عبر الوطنية، وأن ليبيا من الدول المصادقة على بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص الملحق بها وسيطال القانون حتماً مرتكبي الجرائم من الليبيين وغير الليبيين على الأراضي الليبية.

إن جريمة الإتجار بالبشر تعد من الجرائم المنظمة التي تنفذها شبكات إجرامية عابرة للحدود خاصة عبر المناطق التي تشهد صراعات وحالة من عدم الاستقرار ويتوجب مواجهتها من المجتمع الدولي بشكل تكاملي وفعال في دول المقصد والمصدر وليس في دول العبور فقط، إذ لولا وجود هذه الشبكات الإجرامية في دول المقصد والمصدر ما كان لدول العبور كليبيا التي تمر بظروف صعبة وحالات من عدم الاستقرار والنزاع طالت حتى مواطنيها أن تصبح هي الضحية الأولى لهذه الهجرات الكبيرة خاصة في غياب إمكانيات تسمح بالتصدي لها ومنعها وحماية حدودها. وهنا نهيب بمكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة المخدرات والجريمة أن يتحمل مسؤولياته ويساهم في الكشف عن شبكات التهريب والاتجار بالبشر في دول المقصد والعبور والمصدر وذلك وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية وبروتوكولاتها المتعلقة بمنع أو قمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص.

السيد الرئيس،

إن مشكلة الهجرة هي مشكلة دولية متعددة الجوانب وليست قطرية أو إقليمية، ولا يمكن إطلاقاً تحميلها لدول العبور كليبيا، وإنه لمواجهة هذه المشكلة ينبغي التركيز على جذور المشكلة وليس أعراضها من خلال إحداث تنمية مكانية حقيقية في دول المصدر بمساعدة دول المقصد، وكذلك مساعدة دول المصدر على معالجة الأسباب الحقيقية لظاهرة الهجرة، إضافة إلى مجابهة التنظيمات والعصابات المتورطة بدول المصدر والمقصد في جلب المهاجرين، والتوجه نحو الحلول الناجعة للمشكلة في أبعادها الراهن والوقائي المستدام، وفي هذا الصدد أود التأكيد على ما يلي بخصوص دور دول المقصد والمصدر:

أولاً: فيما يخص دول المقصد: فإن أي ترتيبات أو خطط لمنع وصول المهاجرين إلى بلدان المقصد وإجبارهم على العودة القسرية إلى ليبيا هي تنصل من تحمل المسؤولية وفقاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، سيترتب عنها تعريضهم للخطر خاصة في ظروف عدم الاستقرار، وكذلك إضافة أعباء جديدة على السلطات الليبية التي تحتاج إلى مساعدات لوجستية لمواجهة أعباء هذه الظاهرة مرحلياً ، ومساعدات تقنية لحماية حدودها بشكل مستدام، كما نؤكد رفضنا لأية توجهات تستهدف توطين المهاجرين غير الشرعيين في بلدان العبور كليبيا، لما لذلك من تداعيات على التركيبة السكانية والنسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمع، وتقويض للسيادة والتشريعات الوطنية والدولية. ونأمل من الاتحاد الأوروبي أن يراجع سياسته ذات العلاقة.

ثانياً: فيما يخص دول المصدر: فإننا نهيب بهذه الدول والدول المجاورة لليبيا العمل على ضبط ومراقبة حدودها ومنع تدفق مئات الآلاف من رعاياها عبر حدودها مع ليبيا وتعريضهم للخطر بدلاً من التنصل من مسؤولياتها ومحاولة تحميل ليبيا كدولة عبور غير مستقرة عبء مشكلة الأفواج الضخمة من المهاجرين غير الشرعيين، والعمل على إعادة من تسلل منهم إلى ليبيا لبلدانهم الأصلية حفاظاً عليهم من هذه الهجرات غير القانونية المحفوفة بالمخاطر الجمة في الصحراء والبحر.

السيد الرئيس،

يجدر التذكير بأن ليبيا التي تتعرض اليوم إلى حملة تشويه إعلامية كبيرة باطلة وكأنها دولة تمييز عنصري، والتي جزء كبير من مواطنيها خاصة في الجنوب من ذوي البشرة السمراء، واستوعبت في الماضي حوالي مليونين أو أكثر من العمالة الوافدة من الدول الإفريقية ومن الدول العربية المجاورة في مشاريع القطاعين العام والخاص تمتعوا خلالها بالمعاملة الحسنة، كما أنه حال استقرار ليبيا واستدامة السلم والأمن فيها، سيتم استيعاب عدد مماثل من أخوتنا الأفارقة والعرب للعمل في مشاريع إعادة الإعمار والمشاريع التنموية المتوقفة وذلك بعقود واتفاقيات قانونية تضمن حقوق وواجبات كلا الطرفين العمالة الوافدة والسلطات الليبية.

السيد الرئيس،

وفي الختام، على المجتمع الدولي إن كان جاداً في التصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية أو على الأقل التقليل من تداعياتها أن يتكاتف لمواجهتها وتبني معالجة فعالة لأسباب وجذور المشكلة بدلاً من التركيز على مزيد من التأجيج الإعلامي وتشويه صورة ليبيا، كما أننا ندعم كافة الخطوات التي من شأنها فرض عقوبات دولية على المهربين والمتاجرين بالبشر، ولكن على أن تشمل كافة المتورطين داخل وخارج ليبيا، سواء في دول المصدر أو العبور أو المقصد، كذلك العمل على الدعم الفعال لاستقرار ليبيا سياسياً وأمنياً واقتصادياً، ومساعدة حكومة الوفاق الوطني في بسط نفوذها على كافة الأراضي الليبية وفي حماية ومراقبة حدودها، كما ندعوا الاتحاد الإفريقي من جهته للعمل مع دول المصدر الإفريقية لوقف تدفقات الهجرة غير الشرعية الكبيرة عبر ليبيا التي وصلت إلى مئات الآلاف، وتسهيل إعادة المهاجرين المحتجزين إلى أوطانهم الأصلية، ونتطلع من جهة أخرى إلى قيام الاتحاد الأوروبي بواجباته وفقاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وعدم تحميل ليبيا وهي التي تعاني من عدم الاستقرار المسؤولية عن تداعيات ظاهرة دولية لم تكن سبباً فيها بل الضحية الأولى لها.

وشكراً السيد الرئيس،