كلمة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني السيد فايز السراج ، فى الاجتماع رفيع المستوى، الذي نظمته الأمم المتحدة حول ليبيا

السيد الأمين العام

أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة

السيدات والسادة

يطيب لي ويشرفني بالأصالة عن نفسي ونيابة عن وفد بلادي أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لمعالي الأمين العام السيد غوتيرس ولكم جميعا على ما تبدونه من اهتمام ودعم من أجل تحقيق الاستقرار في بلادي، كما أثني على جهود مبعوث الأمين العام السيد غسان سلامة، وعلى اهتمامه وسعيه منذ اليوم الأول لاستلام مهامه للالتقاء مع جميع الأطراف السياسية الليبية لإيجاد حلول عملية وسريعة للأزمة الراهنة.

أعرض في كلمتي هذه لمحة سريعة عن الأوضاع في ليبيا ، والتي قامت بها ثورة تستهدف التغيير إلى الأفضل ، وبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة تنعم بالأمن والأمان ، تراعى فيها كرامة المواطن وتكفل حقوقه ، وتضمن عدم عودة الدكتاتورية والتسلط وحكم الفرد  ، دولة المؤسسات والقانون التي تسع الجميع دون إقصاء أو تهميش .

هكذا كان الطموح ومازال ، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، وها أنا أتحدث أمام هذا الاجتماع رفيع المستوى عن الأساسيات المفقودة لبناء الدولة المنشودة .

السيدات والسادة         

إن بلادي تواجه ومنذ سنوات تحديات كبرى ، تتطلب ان يرتفع أبناءها جميعا إلى مستوى المسؤولية الوطنية ، وأن يدرك جميع فرقاء السياسة إن حل الأزمة الراهنة يكمن في الوفاق والتوافق . كما يتطلب أن تتوقف التدخلات الخارجية السلبية التي ما فتأت تؤجج الصراع بقصد أو بدونه .

لقد مرت العملية السياسية في بلادي بعدة محطات، توجت بإبرام الاتفاق السياسي الليبي بعد قرابة العامين من الحوار، وأصبح هو أساس التسوية السياسية، وجاء المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني كنتاج لهذا الاتفاق، ليمهد الأرضية للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويهيئ المناخ لإتمام الاستحقاق الدستوري، فهو ليس طرفا في الصراع بل طرفا في إيجاد الحل.

لا أريد أن اسرد تاريخا مازال يتفاعل وكنتم شهودا عليه وفاعلين فيه… القصة تعرفونها بنجاحاتها وإخفاقاتها، بمعرقلي الاتفاق ومؤيديه، بالإمكانيات القليلة ومعاناة الناس الكبيرة.

لكن رغم حرصنا على الاختصار لا يمكننا القفز على حدث عمده الليبيون بدماءهم  ، لا بد من أن أترحم على  الشهداء ، وأحي أبطال معارك تحرير سرت و بنغازي وكافة المدن الليبية الذين صنعوا ملحمة فداء ، وانتصروا رغم قلة الإمكانيات على  تنظيم الدولة  الإرهابي ” داعش ”  .. والشكر والتقدير لجميع من قدم لنا المساعدة..

وبالأخص الشراكة الأمريكية الفعالة والتي لازالت مستمرة، وأيضاً ما قدمته ايطاليا وغيرها من الدول الشقيقة والصديقة من مساعدات فنية ولوجستية … ورغم ما تحقق الا ان المواجهة لم تنتهي، مازال هناك بؤر وفلول للتنظيم الإرهابي في بلادنا، وعازمون بإذن الله على القضاء عليه واقتلاعه من جذوره.

وتظل الحرب على الإرهاب قضية دولية يحشد لها المجتمع الدولي إمكانيات عسكرية هائلة، لذا نذّكر مجددا إننا شركاء في هذه الحرب التي نخوضها في ظل قرار دولي يحرمنا من السلاح النوعي لمواجة هذا الخطر الذي يهددنا جميعاً.

 

السيدات والسادة

لقد طرقنا كل الأبواب ومددنا يد المصافحة والمصالحة ودعونا كل الفرقاء السياسيين إلى كلمة سواء والجلوس إلى طاولة الحوار ، وقلنا : كفى ما نزف من دماء وما استنزف من إمكانيات وما ضاع من وقت ….لكن للأسف لا حياة لمن تنادي .

الآن نقف عند مفترق طرق في  مرحلة مفصلية ، لم يعد هناك مجالا للتسويف والمناكفات والمساومات ولم يعد شعبنا يحتمل المزيد من المعاناة … وأمام هذا الوضع السياسي المأزوم طرحت في يوليو الماضي خارطة طريق لتحريك الجمود وفتح ثغرة في الأفق السياسي المسدود ، وتقود من وجهة نظري إلى وضع أكثر استقرارا انطلاقا من الاتفاق السياسي ، وهي تؤكد على المواطنة وحقوق الإنسان ، ومن بين بنودها المصالحة الوطنية ، وتوحيد المؤسسات السيادية ، وفصل الصراع السياسي عن توفير الخدمات للمواطنين ، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي الصراع على الحكم … ليحتكم الجميع للشعب ليقرر عبر صناديق الاقتراع  من يدير شؤون الدولة وعلى الجميع احترام إرادته .

هذه الرؤية الإيجابية تم تأكيدها ودعمها من جديد خلال لقاء باريس، هذا اللقاء الذي خرج عنه توافق واضح لدعم المسار الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة من خلال الانتخابات، ووقف المواجهات المسلحة باستثناء الحرب على الإرهاب، مع توحيد المؤسسة العسكرية تحت سلطة مدنية تنفيذية، وبهذه المناسبة نشكر الرئيس الفرنسي السيد ايمانويل ماكرون على رعايته لهذا الاعلان المشترك وما نتج عنه، لذا نطلب مجدداً مساعدة الجميع لانجاح هذه التفاهمات والرؤى.

هذا هو الحل الذي طرحته ووجد تجاوبا وقبولا من فعاليات سياسية واجتماعية  ،  ويبدو أن هناك من يخشى من فقدان مركزه أو مكاسبه إذا جرت انتخابات ، لذا يعمل على العرقلة وافتعال خلافات ومشاكل . بينما يتذرع أخرون بالوضع الأمني، رغم ان انتخابات عام 2014 التي أشادت بها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي جرت في ظرف أمني ليس بأفضل حال من الظرف الحالي …

وبصفة عامة يشهد الوضع الأمني تحسنا كبيرا في جل المدن، كما أن الأمن مستتب في العاصمة طرابلس بعد مواجهات حازمة حاسمة ضد بعض من مثيري القلاقل. ولقد عادت عدد من البعثات الدبلوماسية للعمل من العاصمة، كما تستعد بعثة الأمم المتحدة وسفارات أخرى وشركات دولية لعودة قريبة.

ان ما حققناه في الملف الأمني إنجاز لا يستهان به، هو نتاج عمل متواصل لأشهر طويلة، احتاج منا إلى الحكمة وبعد النظر والكثير من الصبر…. لقد  ورثنا مشكلة معقدة وكان همنا عند معالجة هذا الملف أن لا يراق دم ليبي في مقدورنا حقنه ، وأن نعمل على إخراج البلد من هذه المعضلة دون ان نترك أثار سلبية من أحقاد وثارات موقوتة تؤثر على مستقبل البلد ، وأن نتجنب تدمير منشآت الشعب وممتلكات المواطنين .

السيدات والسادة

الأمن داخل البلاد لا ينفصل عن أمن الحدود خاصة حدود ليبيا الجنوبية التي يتدفق من خلالها المهاجرين غير القانونيين والعناصر الإرهابية والمهربين ، وملف الهجرة معروف لدى الجميع ، يتصدر دائما محادثاتنا مع الأصدقاء الأوروبيين  ، ورغم ما يبذل من جهد وما يقدم من دعم مشكور  إلا أننا  نعتبر كل ذلك مسكنات ، فالعلاج الحاسم للمشكلة يكمن في تحقيق الاستقرار في ليبيا  … في مقدور دولة  ليبيا المستقرة بما يتوفر لها من إمكانيات أن تؤمن حدودها ، بل وتستوعب آلاف من العمالة من أفريقيا ودول الجوار بصورة شرعية ووفقا لقوانين العمل  ، مثل ما كان يحدث من قبل  .

السيدات والسادة

نحن نرحب بكل المساعي والمبادرات الايجابية لحل الأزمة الليبية، وفي هذا الصدد لا يفوتنا أن نشكر دول الجوار الليبي وعلى رأسها الشقيقة مصر التي استضافة العديد من الاجتماعات بين الفرقاء، كان آخرها لقاءات بين قيادات عسكرية ليبية من مختلف مناطق ليبيا للعمل على توحيد المؤسسة العسكرية، كما نشكر الجزائر على دورها الفاعل لارساء أسس المصالحة الوطنية الشاملة ولقاء الليبيين في معظم المدن، ودور تونس الأساسي في احتضان كل الليبيين وخلق أرضية للتوافق والوفاق. كما أننا نحيي دور الاتحاد الأفريقي وجهود الرئيسين ألفا كوندي والرئيس ساسو انجيسو ومخرجات اجتماع برازافيل الأخير، والتي جمعت ولأول مرة لجان حوار مجلسي النواب والدولة.

ورغم كل هذه المبادرات والاهتمام الايجابي بايجاد حلول للأزمة، علينا الاشارة ومن هذا الاجتماع الى التأكيد على أهمية دور الأمم المتحدة لتوحيدها والاشراف على مسار سياسي موحد ، ونحن مستعدون كما كنا دائما لدعم جهود الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في بلادي ونرى ان أي مبادرة أو خارطة طريق تطرحها يجب أن تقود إلى مسار سياسي يفضي الى انتخابات رئاسية وتشريعية نزيهة وشفافة وتحت إشراف الأمم المتحدة ليقول الشعب كلمته .

ومن تجربتنا مع الواقع السياسي في بلادي نحذر من أن أي مبادرة مهما كانت منصفة ستجد من يسعى لعرقلتها لأسباب تتعدد ليس من بينها مصلحة الوطن، وبالفعل بدأنا نسمع أصواتاً تزعم أن الاتفاق السياسي ينتهي في شهر ديسمبر القادم، وهدفهم خلق فراغاً سياسياً ودستورياً، وإيجاد فرصة لسلب السلطة وادخال البلاد في دوامة جديدة من العنف والفوضى… لذا نطالب المجتمع الدولي والأمم المتحدة الحزم في هذا الأمر وعدم إعطاء فرصة للمعرقلين، وإلا سنبقي نراوح في مكاننا، ويصبح الحال أكثر سوءً.

 السيدات والسادة

ان اجتماعنا اليوم يزيد من مساحة الأمل ولذلك أدعو أن يخرج عن هذا اللقاء دعوة إلى مؤتمر دولي لإعادة الإعمار في ليبيا  ، لنكون جاهزين بالخطط والدراسات والمشاريع ومصادر التمويل لمرحلة جديدة ،  تتحول فيها بلادي إلى ورشة عمل بدلا من ساحة صراع ومناكفات واشتباكات ، وأنا مؤمن بأن بداية الاستقرار الأمني ستأتي عندما تشهد البلاد اهتمام عالمي حقيقي في دعم الاقتصاد  … إن  ليبيا تمتلك المقومات اللازمة للنهوض ، وبيد الليبيين أن يصنعوا مستقبلا زاهرا إذا ما وضعت الأطراف السياسية مصلحة ليبيا فوق مصالحها الخاصة…. إن عملية الانتقال إلى دولة ديمقراطية مدنية حديثة سيأخذ وقتا وسيكون متدرجا ويحتاج إلى تطوير المؤسسات بعد عقود من الإهمال والتسيب والفساد ، وبعد ست سنوات من الصراع غير المبرر وغير المجدي . .. علينا أن نبدأ اليوم قبل غدا.

في الختام، أدعو السيد الأمين العام والسيد غسان سلامة، لتقديم خطة عمل وإطار زمني واضح للمسار السياسي القادم، مسار عملي يمكن تنفيذه، وطرح كيفية توحيد مؤسسات الدولة السيادية، والتفكير منذ الآن عن البدائل في حال تعذر تنفيذ خارطة الطريق المقترحة، مع ارسال المجتمع الدولي رسالة واضحة للمعرقلين، بأنه لا مكان لحل عسكري، وأنه جاد في إيجاد تسوية للأزمة الليبية، مع أخذ التدابير اللازمة لمن يتعامل حتى يومنا هذا مع أي كيانات موازية لحكومة الوفاق الوطني في مخالفة واضحة لقرارات مجلس الأمن الدولي،

أجدد الشكر والتقدير للدول الشقيقة والصديقة التي حضرت اليوم وقدمت لنا الدعم في هذا الظرف الصعب.

وفقنا الله جميعا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته