نص كلمة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني السيد فائز السراج أمام أعضاء الجمعية العامة للامم المتحدة في دورتها 72

كلمة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني
فخامة الرئيس فائز مصطفى السراج

السيد الرئيس ميروسلاف لايتشاك
أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة
السيدات والسادة
يطيب لي في مستهل هذه الكلمة أن أهنئكم السيد الرئيس على انتخابكم رئيساً للدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة متمنيا لكم النجاح والتوفيق في إدارة أعمالها ، كما أتقدم بجزيل الشكر لسلفكم سعادة السيد بيتر تومسون على ما بذله من جهود وإسهامات بناءة خلال رئاسته الدورة السابقة ، ولا يفوتني أن أشيد بالقيادة الحكيمة لمعالي السيد انتونيو غوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة وسعيه المتواصل لتحقيق أهداف ومقاصد الأمم المتحدة المتمثلة في السلام والأمن، والتنمية، وحقوق الإنسان .

السيد الرئيس
لعلكم تعلمون حجم التحديات التي تواجه أبناء شعبي في هذا الظرف بالغ الحساسية الذي تمر به بلادي منذ قيام ثورة فبراير عام 2011 وما تلاها من تداعيات الحرب والمواجهات والتدخلات السلبية لبعض الدول ، لقد بذلنا جهودا كبيرة للتخفيف من معاناة شعبنا وحققنا نجاحات ملموسة ،إلا أن التحديات كبيرة ولا يمكن التغلب عليها إلا بالعمل معا داخل بلادي ومع الدول الصديقة وفي نطاق الأمم المتحدة ، لنحقق ما يطمح إليه شعبنا من بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية ، دولة القانون والمؤسسات . ولا يفوتني أن أثني على جميع الجهود الساعية إلى إيجاد تسوية سياسية للأزمة الليبية. كما لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل للعديد من الدول والمنظمات والمؤسسات الإقليمية والدولية على ما قدمته من دعم ومساعدة لتحقيق الاستقرار في بلادي ، وأخص بالذكر دول الجوار والجامعة العربية والإتحاد الإفريقي والإتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة ، والدول الصديقة كافة ، كما أنتهز هذه الفرصة للترحيب بدور المبعوث الأممي الجديد لدى ليبيا السيد غسان سلامة، متمنياً له التوفيق في مهمته ، للخروج بحلول عملية وسريعة للأزمة الراهنة.
السيد الرئيس
يظل الاتفاق السياسي الذي تم التوصل إليه بين الفرقاء الليبيين برعاية الأمم المتحدة بعد مسيرة تفاوض استمرت قرابة العامين ، هو الأساس وحجر الزاوية الذي يمكن التأسيس عليه لتسوية الخلافات السياسية ، وبناء مؤسسات الدولة وهياكلها الحكومية.
إن هذا الاتفاق هو صيغة مؤقتة للتعايش وطي صفحة الماضي ، وتهيئة الظروف للانتقال السلمي إلى مرحلة الاستقرار ، وجاء المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني نتيجة لهذا الاتفاق ليقود هذه المرحلة فهو ليس طرفاً في الصراع ، وإنما هو الرافد لتحقيق التوافق والمصالحة الوطنية الشاملة ووضع أسس الدولة المنشودة التي تضم كل الليبيين دون تمييز أو إقصاء.
السيد الرئيس
لقد عزمنا منذ البداية على أن نواجه الأزمات التي تعصف بالبلاد والتغلب على المصاعب مهما بلغت حدتها ، باذلين كل الجهد ، متسلحين بالحكمة والصبر وبعد النظر ، ومنذ ذلك الحين استطعنا والحمد لله حلحلة الكثير من المشاكل القائمة والمستجدة . لقد أثمرت هذه الجهود وما بذله شبابنا من تضحيات في إنهاء مظاهر العنف في العاصمة طرابلس وجل المدن الليبية وبدأت أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية تظهر وتؤدي مهامها ، وقد عاد عدد من السفارات لتعمل من العاصمة وتستعد البقية ومعها بعثة الأمم المتحدة لعودة قريبة. كما بدأ نازحو بعض المدن في العودة إلى ديارهم ، بينما تأخرت عودة آخرين وحتى الانتهاء من أعمال التهيئة وتوصيل الخدمات التي تضررت خلال المواجهات المسلحة . والعمل متواصل لترسيخ الأمن وتأمين المدن وغلق المنافذ أمام مثيري القلاقل .
وعلى الصعيد الاقتصادي عملنا بكل مسؤولية لإخراج النفط من دائرة الصراع السياسي ونجحنا في رفع الإنتاج من مائة وخمسون ألف برميل في اليوم لدى وصولنا للعاصمة طرابلس في مارس 2016 إلى حوالي المليون برميل حاليا ، ونسعى لتحريك عجلة الاقتصاد والإنفاق على القطاعات العامة للدولة لتحسين مستوى الخدمات ورفع المعاناة عن شعبنا والبدء في مرحلة التنمية والإنماء ، ونأمل مع استتباب الأمن وتوفر الموارد المالية عودة الشركات والمؤسسات الأجنبية للمساهمة معنا في مرحلة البناء . وفي هذا الصدد نؤكد من جديد دعوتنا لرفع الحظر المفروض على ادارة الأصول الليبية المجمدة ، والتي بسببها تخسر ليبيا سنوياً قرابة المليار دولار ، ونحن لم نطالب برفع التجميد عن هذه الأصول الآن حتى تستقر البلاد وتتوحد المؤسسات.
وعلى صعيد المصالحة الوطنية عقدنا العديد من اللقاءات مع الفرقاء السياسيين لإنهاء حالة الانقسام وتوحيد الصف، كما أجرينا حوار مجتمعي لتوسيع قاعدة المشاركة والتوافق، وأمام حالة الجمود السياسي وانسداد أفق الحل ، وبالذات نتيجة لاستئثار رئاسة مجلس النواب منفردة بالقرار، وعدم قدرة الأغلبية الداعمة للاتفاق السياسي والوفاق من تأدية دورها رغم جهودهم المستمرة الذي نشكرهم عليها،
لذلك كله ..طرحنا في يوليو الماضي خارطة طريق للخروج من الأزمة ، مبنية على الأسس والثوابت الوطنية ، بمسار سياسي يمهد لانتخابات رئاسية و برلمانية والاستفتاء على الدستور خلال العام القادم ، مع فصل الصراع السياسي عن توفير الخدمات للمواطنين ، وإنشاء مجلس أعلى للمصالحة الوطنية ، ودراسة آليات تطبيق العدالة الانتقالية ، وجبر الضرر والعفو العام ، وحماية الحقوق والحريات ومكافحة الفساد .
هذه الرؤية الإيجابية تم تأكيدها ودعمها من خلال لقاء باريس الأخير الذي خرج عنه توافق واضح لدعم المسار الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة من خلال الانتخابات، ووقف المواجهات المسلحة باستثناء الحرب على الإرهاب، مع توحيد المؤسسة العسكرية تحت سلطة مدنية تنفيذية، لذا نطلب مجدداً مساعدة الجميع لإنجاح هذه التفاهمات والرؤى.

السيد الرئيس
على صعيد محاربة الإرهاب بجميع أشكاله وصوره ومصادره، ومهما كانت دوافعه ومبرراته ، أستطعنا رغم قلة الإمكانيات، وبعزيمة وشجاعة أبناءنا من تحرير مدينة سرت من تنظيم ” داعش” الإرهابي كما انتصرنا في مواجهاته في بنغازي ومدناً أخرى، ولا زالت التحديات الأمنية موجودة لمتابعة فلول هذا التنظيم وغيره من المجموعات الإرهابية ، وفي هذا الصدد نحي كل أبطالنا وشهدائنا الأبرار من أفراد القوات المسلحة والرجال الشرفاء الذين ضحوا بأرواحهم فداء للوطن، في مواجهة هذه التنظيمات في كل مدن ليبيا دون استثناء. كما نؤكد التزامنا بالشراكة الإستراتيجية التي تجمعنا مع الدول الصديقة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، ونعبر عن تقديرنا لما قدمته ولازالت تقدمه من دعم للقضاء على هذه التنظيمات الارهابية .
ولكن على الجميع أن يعي بأن المعركة ضد الارهاب لم تنتهي بعد وبدأت تظهر بؤر جديدة له بعد فرار فلوله من دول أخرى كالعراق وسوريا، لذلك نتطلع إلى العمل الجاد لتوحيد المؤسسة العسكرية في كامل البلاد لبناء جيش وطني ليبي قادر على حماية الوطن والقضاء على الارهاب .
السيد الرئيس
تواجه بلادي تحدياً كبيراً آخر ألا وهو مسألة الهجرة غير الشرعية، وتدفق المهاجرين غير القانونيين عليها بشكل كبير، سعياً منهم لعبور البحر المتوسط نحو أوروبا ، .
إن ليبيا ضحية لهذه الهجرة مثلها مثل الدول الأوروبية، وتتحمل في مواجهتها أعباء كبيرة استقطاعاً من ميزانياتها المحدودة لمواجهة هذه الظاهرة والحد من تأثيرها أمنياً واقتصادياً واجتماعياً . كما أن حرس السواحل وحرس الحدود لازالا يفتقدان إلى الإمكانيات القادرة على مواجهة شبكات التهريب المسلحة تسليحا جيدا بسبب الحظر على التسلح.
وفي هذا الإطار نتقدم ا بالشكر لدول الاتحاد الأوربي على اهتمامها وما قدمه بعضها من مساعدات ، كما نشيد بجهود ايطاليا في تدريب جهاز حرس السواحل خلال الآونة الأخير وتزويده بمعدات وأجهزة ، ودعم التنمية المكانية في عدد من البلديات .
ونرحب بما أبدته كل من فرنسا وايطاليا وألمانيا من استعداد لدعم جهود مراقبة الحدود الجنوبية لليبيا التي أكد نا مرارا بأنها المصدر الرئيسي لتدفق المهاجرين غير الشرعيين ، ولكننا أيضاً في هذا الصدد نؤكد على بطء وقلة الدعم المقدم لنا ، فحجم المساعدات التي نتلقاها لا تتناسب وحجم هذا التحدي الكبير.
وفي هذا السياق نشير إلى مشكلة المهاجرين العالقين في ليبيا لنؤكد على ضرورة توفير برامج للمساعدة الإنسانية اللازمة ، إن حكومة الوفاق الوطني تعمل ما يمكن لتقدم الدعم لهم بحسب الإمكانيات المتاحة ، ونرحب بكل المساعدات التي تقدمها المؤسسات الإنسانية لمراكز الإيواء الحالية ، ونتطلع إلى مساعدتها لنا في إعادة هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين إلى بلادهم ، وليس الى توطينهم بأي شكلٍ كان.
كما لا يفوتني أن انوه بالقمة التي عقدت في باريس شهر أغسطس الماضي وحضرها زعماء دول أوروبية ودول جوار ليبيا ، وكان الاتفاق متطابق حول ضرورة دعم استقرار ليبيا وبالدرجة الأولى إيجاد حل سياسي شامل ، وتزويدها بالإمكانيات اللازمة لضبط حدودها، كما تمت الدعوة إلى إنشاء برامج تنموية في دول المصدر.
السيد الرئيس
تعد مسألة حقوق الإنسان من المسائل التي توليها بلادي أهمية كبرى، فإن التغير الذي حدث منذ ثورة 2011 أوجد الأرضية المناسبة لإحداث تغيير شامل في هذا الجانب، حيث صدرت العديد من القوانين والقرارات التي تدعم حقوق الإنسان وترسخ ثقافته، إلا أن صعوبة هذه المرحلة التي تعد انتقالية من الثورة إلى بناء الدولة أوجدت الكثير من التحديات الأمنية، التي كان لها الأثر السيئ على حقوق الإنسان، وفي مواجهة ذلك يعمل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني جاهداً من اجل تعزيز القوانين بما يضمن تطبيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ويساهم في العودة تدريجياً إلى تمكين سلطات إنفاذ القانون من القيام بمهامها على الوجه المطلوب ، ونتطلع إلى الاستفادة من الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان بما لديها من الخبرة الفنية التقنية في هذا المجال، وفي هذا الصدد قامت بلادي بتوجيه دعوة دائمة للبرامج الخاصة التابعة لمجلس حقوق الإنسان لزيارة ليبيا منذ العام 2012، الأمر الذي أكدنا عليه في مارس هذا العام أثناء انعقاد الدورة (34) لمجلس حقوق الإنسان.

السيد الرئيس
إن من المسائل الهامة في الأمم المتحدة مسألة إصلاح مجلس الأمن الدولي ، وفي هذا الصدد نرحب باعلان اصلاح الأمم المتحدة الذي تم منذ يومين ، ونتمنى أن يساهم هذا في تحديث وتطوير منظومة عمل المنظمة ، كما تؤكد بلادي على ضرورة إعادة النظر بجدية في الاعتراف بحق القارة الأفريقية في التمثيل الدائم العضوية في مجلس الأمن الدولي، بكل المزايا وذلك وفقاً للموقف الأفريقي الموحد الوارد في توافق أزوليني وإعلان سرت.
السيد الرئيس
إن قضية السلام في الشرق الأوسط تعد من القضايا الجوهرية الهامة جداً، فرغم ما نعانيه من أزمات فإننا لم ولن ندخر جهداً في دعم قضية الشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف، نجدد دعمنا للمبادرة العربية لحل القضية الفلسطينية، ومن هنا نطالب المجتمع الدولي وخاصة الدول الكبرى للوقوف إمام مسؤولياتها تجاه هذه القضية.

كما تدعو بلادي إلى مضاعفة الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية سلمية في كل من سوريا واليمن الشقيقتين تبعد عنهما مخاطر التفكك والانقسام نتيجة الصراع المدمر، وتحقق طموحات شعوبهم في العيش الكريم، في ظل نظام ديمقراطي يحترم القانون، ويصون حقوق الإنسان.
السيد الرئيس
اسمح لي بأن أتقدم بالشكر للسيد الأمين العام على تنظيمه صباح اليوم الاجتماع الخاص بليبيا والذي شهد اهتماماً دولياً كبير، والذي أكد فيه المشاركون على استمرار الاتفاق السياسي كأرضية وحيدة لأي تسوية سياسية ، ودعم مسار سياسي يفضي لانتخابات رئاسية وتشريعية العام القادم ، وفي هذا الاطار ندعو الأمين العام والمبعوث الخاص السيد غسان سلامة ، إلى تقديم خطة عمل وإطار زمني واضح للمرحلة القادمة ، مع إرسال المجتمع الدولي رسالة واضحة للمعرقلين، بأنه لا مكان لحل عسكري، وأنه جاد في إيجاد تسوية للأزمة الليبية، مع أخذ التدابير اللازمة لمن يتعامل حتى يومنا هذا مع أي كيانات موازية لحكومة الوفاق الوطني في مخالفة واضحة لقرارات مجلس الأمن الدولي.

وفي الختام…أود أن انتهز هذه الفرصة من على هذا المنبر العالمي لأجدد عزمنا على المضي قدماً نحو مشاركة كل أطياف الشعب الليبي في تقرير المصير دون استثناء، وبناء الدولة الواعدة التي تسع الجميع، دولة القانون والمؤسسات، في مسار ديمقراطي لتنطلق نحو المصالحة والبناء.
شكراً السيد الرئيس